إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
17
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )
يدعو غيره إليها ، ويحضّ سِوَاهُ عَلَيْهَا ( 1 ) ، إِذِ التَّأَسِّي فِي الْأَفْعَالِ وَالْمَذَاهِبِ موضوع طلبه في الجِبِلَّة ( 2 ) ( 3 ) ، وبسببه تقع من الْمُخَالِفِ الْمُخَالَفَةُ ، وَتَحْصُلُ مِنَ الْمُوَافِقِ الْمُؤَالَفَةُ ، وَمِنْهُ تنشأ العداوة والبغضاء للمختلفين ( 4 ) . وكان ( 5 ) الْإِسْلَامُ فِي أَوَّلِهِ وجِدَّته ( 6 ) ( مُقَاوِمًا بَلْ ) ( 7 ) ظَاهِرًا ، وأهله غالبين ( 8 ) ، وَسَوَادُهُمْ أَعْظَمُ الْأَسْوِدَةِ ، فَخَلَا مِنْ وَصْفِ الْغُرْبَةِ بِكَثْرَةِ الْأَهْلِ وَالْأَوْلِيَاءِ النَّاصِرِينَ ، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ - مِمَّنْ لَمْ يَسْلُكْ سَبِيلَهُمْ ، أَوْ سَلَكَهُ وَلَكِنَّهُ ابْتَدَعَ فِيهِ - صولةٌ يَعْظُمُ مَوْقِعُهَا ، وَلَا قُوَّةٌ يضعف دونها حزب الله المفلحون ، فسار ( 9 ) عَلَى اسْتِقَامَةٍ ، وَجَرَى عَلَى اجْتِمَاعٍ وَاتِّسَاقٍ ، فَالشَّاذُّ مَقْهُورٌ مُضْطَهَدٌ ، إِلَى أَنْ أَخَذَ اجْتِمَاعُهُ فِي الِافْتِرَاقِ الْمَوْعُودِ ، وَقُوَّتُهُ إِلَى الضَّعْفِ الْمُنْتَظَرِ ، وَالشَّاذُّ عَنْهُ تَقْوَى صَوْلَتُهُ ، وَيَكْثُرُ سَوَادُهُ . وَاقْتَضَى ( 10 ) سِرُّ التَّأَسِّي الْمُطَالَبَةَ بِالْمُوَافَقَةِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْغَالِبَ أَغْلَبُ ، فَتَكَالَبَتْ عَلَى سَوَادِ السُّنَّةِ الْبِدَعُ وَالْأَهْوَاءُ ( 11 ) ، فَتَفَرَّقَ أَكْثَرُهُمْ شِيَعًا . وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الْخَلْقِ : أَنَّ أَهْلَ الْحَقِّ فِي جَنْبِ أَهْلِ الْبَاطِلِ قَلِيلٌ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ * } ( 12 ) ، وقوله :
--> ( 1 ) في ( خ ) : " ويحض سؤاله بل سواه عليها " ، وناسخ ( خ ) يفعل هذا إذا أخطأ حيث يضرب عن الخطأ بقوله بل ، ثم يأتي بالصواب . ( 2 ) الجبلة : الخلقة ، ومنه قوله تعالى : { وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ } ، والجمع الجبلات . الصحاح للجوهري ( 4 / 1651 ) . ( 3 ) كتب في ( خ ) بعد كلمة الجبلة كلمة غير واضحة ، ولعلها " بداهة " . ( 4 ) في ( ر ) : " بين المختلفين " . ( 5 ) في ( ط ) : " كان " . ( 6 ) قال في الصحاح : جد الشيء يجد بالكسرة جدة : صار جديداً ، وهو نقيض الخلق الصحاح ( 2 / 454 ) . ( 7 ) ما بين المعكوفين ساقط من أصل ( خ ) ومثبت في هامشها . ( 8 ) هكذا في ( م ) و ( خ ) و ( ت ) ، وفي ( ط ) : " غالبون " ، على أنها خبر " وأهله " ، والذي يظهر أن قوله غالبين صحيح أيضاً ، على تقدير " وكان أهله غالبين " . ( 9 ) في ( خ ) و ( م ) و ( ط ) : " فصار " . ( 10 ) في ( ر ) : " فاقتضى " . ( 11 ) في ( م ) : " البدع الأهواء " بدون واو ، وفي ( غ ) : " سباع الأهوى " . ( 12 ) سورة يوسف ، آية ( 103 ) .